الكتاب الورقي والرقمي: توازن الحاضر والمستقبل
على مر الزمن، ظل الكتاب الورقي يمثل رمزًا حقيقيًا للمعرفة، فهو الرفيق الذي لا يفارق مجالس المثقفين وطلاب العلم في العالم العربي. ومع ذلك، فقد أحدثت الرقمنة ثورة في عالم النشر والقراءة، مما أضاف بُعدًا جديدًا لهذا التقليد العريق. اليوم، نجد أنفسنا أمام توازن مثير بين عالم الورق القديم والشاشات الحديثة التي فتحت لنا آفاقًا جديدة للتفاعل مع النصوص والأفكار.
سوق الكتب.. رحلة من الورق إلى الرقمنة
في عام 2025، تجاوزت عائدات سوق النشر العربي 2.8 مليار دولار أمريكي، مما يعكس اتساع قاعدة القرّاء وتطور الصناعة الثقافية في المنطقة. ورغم أن الكتب الإلكترونية تستحوذ على جزء متزايد من السوق، إلا أن الكتاب الورقي لا يزال يحتفظ بحصة كبيرة تصل إلى 70% من إجمالي المبيعات. هذه الأرقام تعكس ثقة القارئ العربي في الكتاب التقليدي، ورغبته في ملمس الورق ورائحة الحبر، مما يضفي طابعًا خاصًا على تجربة القراءة، في حين يقدم الكتاب الرقمي سرعة الوصول وسهولة الاستخدام، لكنه يفتقر إلى الطقوس التقليدية التي ارتبطت بالقراءة عبر الأجيال.
هذا المشهد يجعل من النشر العربي مساحة غنية تتعايش فيها الأساليب التقليدية مع الابتكارات الحديثة، دون أن يلغي أحدهما الآخر.
مؤشرات القراءة: أرقام تبشّر بالخير
على عكس الصورة النمطية التي رُوّجت عن انخفاض مستويات القراءة في العالم العربي، فإن مؤشر القراءة العربي يكشف عن واقع أكثر إشراقًا. فالمواطن العربي يقرأ في المتوسط نحو 17 كتابًا سنويًا، ويقضي حوالي 35 ساعة في ممارسة فعل القراءة. وتتصدر لبنان قائمة الدول العربية بمتوسط 29 كتابًا، تليها مصر والمغرب بـ 27 كتابًا لكل منهما، ثم الإمارات بـ 24 كتابًا.
تُظهر هذه الفوارق الإيجابية خريطة ثقافية متنوعة، حيث تمتزج تقاليد القراءة مع جهود الدول في دعم المكتبات العامة وتنظيم المبادرات الوطنية التي تسهم في توفير بيئات محفزة على القراءة، سواء داخل المدارس أو في الفضاءات العامة.
BookTok.. تأثير رقمي يعيد تشكيل المشهد
لعل الظواهر الرقمية الجديدة قد أسهمت في دفع عجلة القراءة بطريقة غير متوقعة. منصة BookTok، التي نشأت على تطبيق "تيك توك"، استطاعت أن تُحدث تأثيرًا كبيرًا في توجيه ذائقة القرّاء الشباب، وتحفيزهم على اقتناء الكتب التي يروج لها المؤثرون. في السعودية، على سبيل المثال، ارتفعت مبيعات الروايات بنسبة 8.5% عام 2022 بفضل هذه الظاهرة، قبل أن تستقر بزيادة طفيفة بلغت 1% في العام التالي.
القرّاء على أرض الواقع.. الحنين والتحديات
ومع هذا الحراك الرقمي، يبقى المشهد الواقعي أكثر تعقيدًا. في الإمارات، تشير الإحصائيات إلى أن الفرد يقرأ في المتوسط 7 كتب سنويًا، بينما يقضي أغلب وقته بنسبة تصل إلى 90% في استهلاك محتوى وسائل التواصل الاجتماعي. هذه المفارقة تثير تساؤلات عميقة حول أولويات القراءة، وما إذا كانت التوجهات الجديدة للجيل الرقمي ستؤثر على نوعية النصوص التي تُقرأ.
ومع ذلك، فإن الإقبال على المعارض الأدبية والمبادرات الحكومية والخاصة يُظهر أن هناك حنينًا دائمًا إلى القراءة التقليدية، حتى وإن تغيرت الوسائط.
المعارض الأدبية.. منصات تواصل حيّة
لا يمكن الحديث عن المشهد الثقافي العربي من دون التوقف عند المعارض الأدبية، التي أصبحت مهرجانات حقيقية للكتاب. على سبيل المثال، معرض الشارقة الدولي للكتاب 2023 جذب أكثر من 231,000 زائر خلال ستة أيام، وشهد بيع ما يقارب 160,000 نسخة. بينما أكد معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2024 مكانته كأحد أبرز الفعاليات الثقافية في المنطقة، باستقطابه آلاف الناشرين والزوار من مختلف أنحاء العالم.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات تجارية، بل تعكس تعطش الجمهور للقاء مباشر مع المؤلفين، ورغبة في خوض التجربة الكاملة للكتاب: من الورق إلى النقاشات الفكرية، ومن الصفحات إلى المنصات الثقافية الحيّة.
بين الماضي والمستقبل
عندما ننظر إلى المشهد الأدبي العربي اليوم، نجد أنفسنا أمام لوحة متوازنة تجمع بين ماضٍ مكلل بالكتب الورقية ومستقبل يفتح أبوابه عبر الشاشات الرقمية. وبين هذا وذاك، يقف القارئ العربي متأرجحًا بين الحنين إلى الورق والفضول تجاه التقنيات الحديثة.
ما يبعث على التفاؤل هو أن الكتاب، سواء كان مطبوعًا أم محمّلًا على جهاز إلكتروني، لا يزال يحتفظ بدوره كجسر يربط الأجيال والثقافات، ويمنح القارئ العربي فرصة الانتماء إلى عالم يتغير بسرعة، دون أن يفقد جذوره العميقة.
غرفة لشخصين الحلقة 9