التوحد واضطرابات الأكل: فهم العلاقة

يعتبر التوحد أحد الاضطرابات النمائية العصبية التي تؤثر بشكل ملحوظ على حياة الأفراد، حيث يتداخل مع قدرتهم على التفاعل الاجتماعي، وإدارة الوظائف التنفيذية، والتنسيق الحركي، ومعالجة الحواس. تشمل تأثيرات التوحد أيضًا جوانب التواصل واللغة، حيث يمكن أن يعاني الأفراد من تحديات مثل عدم القدرة على التحدث، أو التحدث بشكل جزئي، أو حتى الصمت الانتقائي.
مع تزايد الدراسات حول التوحد، بدأ الباحثون في استكشاف العلاقة بينه وبين اضطرابات الأكل، خاصةً في ظل تشابه بعض الخصائص بينهما. هذا الأمر يجعل من الضروري فهم كيف يمكن أن يؤثر التوحد على سلوك الأفراد تجاه الطعام وعلاقاتهم به.
كيف يرتبط التوحد باضطرابات الأكل؟
تتضح العلاقة المعقدة بين التوحد واضطرابات الأكل، حيث تشير الإحصائيات إلى أن نحو 70% من الأطفال المصابين بالتوحد يواجهون مشكلات تتعلق بالطعام. قد تشمل هذه المشكلات حساسية مفرطة تجاه قوام الطعام، أو رائحته، أو حتى الأصوات الناتجة عنه. كما يعاني الكثير من المصابين بالتوحد من صعوبات اجتماعية، مثل عدم القدرة على الجلوس مع الآخرين أثناء تناول الطعام أو الانتظار حتى ينتهي الجميع من تناول وجباتهم.
اضطراب فقدان الشهية العصبي والتوحد
في الثمانينيات، قام الباحث كريستوفر جيلبرج بتحديد ارتباط محتمل بين اضطراب فقدان الشهية العصبي والتوحد. تشير الدراسات إلى أن ما يقارب 20-35% من النساء اللواتي يعانين من فقدان الشهية العصبي يستوفين معايير تشخيص التوحد، مما يبرز الروابط الجينية والعائلية بين الحالتين، بالإضافة إلى الروابط العصبية البيولوجية.
العبقري مدبلج الحلقة 126
أسباب اضطرابات الأكل لدى المصابين بالتوحد
تتعدد العوامل التي تجعل تناول الطعام تجربة معقدة وصعبة للكثير من المصابين بالتوحد. من بين هذه الأسباب:
- الحساسية الحسية: قد يستجيب الأفراد المصابون بالتوحد بشكل مفرط تجاه ملمس الطعام أو مذاقه أو رائحته.
- الروتين والصرامة في العادات الغذائية: يفضل الكثير منهم تناول نفس الأنواع من الطعام وعدم تجربة أطعمة جديدة.
- الصعوبات الاجتماعية: تعتبر تجربة تناول الطعام مع الآخرين أو تغيير بيئة تناول الطعام مرهقة للبعض.
- مشكلات في الإدراك الداخلي: قد يجد البعض صعوبة في تفسير إشارات الجوع أو الشبع، مما يؤدي إلى عدم انتظام تناول الطعام.
- التعامل مع القلق والتوتر: قد يستخدم بعض الأفراد تقييد الطعام كوسيلة للتعامل مع القلق بدلاً من التركيز على فقدان الوزن أو صورة الجسم.
أنواع اضطرابات الأكل المرتبطة بالتوحد
تتعدد أنواع اضطرابات الأكل التي قد يعاني منها المصابون بالتوحد، ومنها:
فقدان الشهية العصبي: تشير الدراسات إلى أن 20-35% من النساء المصابات بفقدان الشهية العصبي يستوفين معايير تشخيص التوحد، حيث قد تكون دوافعهن للتحكم في الطعام مختلفة عن غير المصابين بالتوحد.
اضطراب تجنب أو تقييد تناول الطعام: يتميز هذا الاضطراب بتقييد تناول الطعام دون وجود دافع لفقدان الوزن، وقد يرتبط بالحساسية الحسية أو صعوبات المضغ والبلع.
تحديات العلاج للمصابين بالتوحد
يمثل علاج اضطرابات الأكل لدى المصابين بالتوحد تحديًا كبيرًا، حيث تتطلب الاستراتيجيات العلاجية مراعاة الخصائص الفريدة لهؤلاء الأفراد. ومن أبرز التحديات التي تواجه العلاج:
- عدم ملاءمة العلاجات التقليدية: تركز بعض العلاجات على صورة الجسم، وهو ما قد لا يكون الدافع الرئيس لدى المصابين بالتوحد.
- بيئات العلاج غير المريحة: قد تكون العيادات المضيئة والصاخبة أو الجلسات الجماعية مرهقة للمصابين بالتوحد.
- صعوبة التكيف مع التغييرات المفاجئة: قد لا يكون المصابون بالتوحد قادرين على تغيير أنماط الأكل بسرعة؛ ما يتطلب نهجًا تدريجيًا.
لتجاوز هذه التحديات، من الضروري تقديم رعاية تراعي الفروق العصبية، حيث يجب تصميم أساليب علاجية تتكيف مع احتياجاتهم الفريدة، بدلاً من فرض أساليب تقليدية قد تكون غير فعالة أو مرهقة لهم. كما أن التشخيص المبكر والتدخل السريع يمكن أن يمنع تفاقم اضطرابات الأكل، مما يسهم في تحسين جودة الحياة للمصابين. يجب أيضًا توفير بيئات علاجية هادئة تأخذ بعين الاعتبار حساسيتهم الحسية، مما يساعدهم على التعامل مع الطعام بطريقة أكثر راحة وأمان.