فقدان المعنى: كيف نتجاوزه في حياتنا

في خضم زحمة الحياة اليومية، حيث تتداخل الواجبات العائلية مع المسئوليات المهنية، قد تكتشفين أحيانًا أنكِ تعانين من نوع من التعب لا يشبه الإرهاق المعتاد. تستيقظين في الصباح، وجسدك منهك، رغم أنكِ قد نمتِ لساعات كافية. قد تنهارين فجأة، باكية دون سبب واضح، وتراودك مشاعر مربكة: هناك الكثير من المهام التي لا تنتهي، أو ربما لا أشعر بالمعنى فيما أفعله.
قد تظنين أن السبب وراء ذلك هو قلة النوم، أو جدولك المزدحم، أو حتى ضغوط الأطفال والعمل… لكن، ماذا لو كان السبب الحقيقي ليس الإرهاق الجسدي، بل الإرهاق الروحي؟ ماذا لو كان الأمر يتطلب أكثر من مجرد استراحة، بل يحتاج إلى إعادة تقييم عميقة لما يجعلك تشعرين بالمعنى في حياتك؟
ما الفرق بين الإرهاق وفقدان المعنى؟

غالبًا ما نخلط بين الإرهاق العادي الناتج عن كثرة المهام، وبين حالة أكثر عمقًا تُعرف بفقدان المعنى أو الإرهاق الوجودي. هذا النوع من التعب لا يمكن تخفيفه بالراحة أو الإجازة، لأنه ليس مجرد تعب جسدي، بل هو تعب روحي. فبينما يمكن علاج الإرهاق الجسدي بالنوم، يحدث الإرهاق الوجودي عندما تفقدين الاتصال بما يجعلك تستيقظين كل صباح بشغف وحماس.
السعادة العائلية الحلقة 9
علامات فقدان المعنى
إليكِ بعض العلامات التي تشير إلى أنكِ تعانين من فقدان المعنى في حياتك، وليس فقط من الإرهاق:
الشعور بالفراغ رغم الانشغال
قد تمضين يومكِ في تنفيذ المهام، ولكن مع نهاية اليوم، تجدين نفسكِ غير راضية، وكأن كل ما فعلته لم يكن كافيًا.
التوقف عن الحلم
ربما لم تعودي تعرفين ما الذي تريديه على المدى البعيد. كل ما يشغل بالك هو إنهاء اليوم، دون شغف أو طموحات.
مشاعر الحزن أو الإحباط دون سبب واضح
قد لا تكون هناك أحداث سلبية محددة، لكنك تشعرين بحزن عميق أو تبلد عاطفي.
الغيرة من حياة الآخرين
تتساءلين: لماذا تبدو حياة الآخرين أكثر سعادة؟ ما الذي يجعلهم أكثر حيوية مني؟ لكنك لا تعرفين بالضبط ما ينقصك، ولا توجد لديك رغبة حقيقية في تقليدهم.
من أين يأتي المعنى؟
المعنى لا يمكن شراؤه أو وراثته، بل يبنى من إدراكك لما يجعلك تشعرين بوجودك حقًا. بالنسبة للبعض، يأتي المعنى من العطاء، أو من العلاقة مع الله، أو من تحقيق أهداف شخصية كالتعلم أو تربية الأبناء أو الكتابة أو ممارسة الفن.
كما تقول الطبيبة النفسية "ليزا فايرستون": عندما نعيش فقط لأداء المهام دون التواصل الداخلي مع ما نحبه أو نؤمن به، يبدأ شعورنا باللاجدوى في التسلل إلينا.
كيف تستعيدين الشعور بالمعنى؟
راجعي يومك، لا مهامك فقط
اسألي نفسك: ما الذي يجعلني أشعر بالحياة؟ هل ما أفعله يوميًا يعبر عني حقًا؟
مارسي الصدق مع ذاتك
توقفي عن تبرير كل شيء بعبارات مثل "مشغولة" أو "مرهقة". أحيانًا نستخدم هذه الكلمات لنخفي فراغًا أعمق نرغب في تجنبه.
ابدئي بخطوة صغيرة تعني لكِ الكثير
قد تكون البداية بكتابة خاطرة، أو قراءة كتاب توقفتِ عنه، أو لقاء صديقة حقيقية، أو حتى تخصيص لحظة من الصمت للتحدث إلى نفسك بصدق.
اطلبي المساعدة إن لزم الأمر
فقدان الشعور بالمعنى قد يكون أحد أعراض القلق أو الاكتئاب. التحدث مع متخصص ليس علامة ضعف، بل هو شجاعة ضرورية للشفاء.
تذكري، أن تكوني مرهقة لا يعني بالضرورة أنكِ بحاجة للنوم فقط. أحيانًا، تحتاجين إلى إعادة اكتشاف نفسك، إلى لمسة من الجوهر، وإعادة تعريف معنى وجودك في الحياة.
الحياة ليست مجرد سباق أو جدول مهام. إنها سؤال عميق: لماذا أفعل ما أفعله؟ وحين تجدين الإجابة، يبدأ التعب الحقيقي في الانحسار.