تأثير تفاعل الأمهات على تطور الأطفال

في سبعينيات القرن الماضي، كان هناك اعتقاد سائد بأن الرضع لا يمتلكون القدرة على إدراك وجود أمهاتهم أو التفاعل معهن بطريقة ذات مغزى. لم يكن هناك اهتمام علمي كبير بدراسة كيفية تفاعل الأمهات مع أطفالهن في تلك الفترة. ومع ذلك، جاءت تجربة "الوجه الخشب" (Still-Face Experiment) التي أجراها الباحث إدوارد ترونيك وفريقه في عام 1978 لتغيير هذه الصورة النمطية تمامًا. أثبتت هذه التجربة أن استجابة الأمهات لعواطف أطفالهن لها تأثير عميق على تطورهم العاطفي والنفسي، وأنها تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل أنماط التعلق لديهم في المستقبل.
تجربة الوجه الخشب: ماذا يحدث عندما تتوقف الأم عن التفاعل؟

خلال هذه التجربة الرائدة، وُضع الرضيع في مواجهة أمه، حيث بدأت بالتفاعل معه من خلال الابتسامة، والتواصل البصري، والأصوات المشجعة. لكن في لحظة معينة، طُلب منها التوقف عن التفاعل تمامًا والمحافظة على وجه جامد دون أي تعبيرات. ما حدث بعد ذلك كان مؤثرًا للغاية؛ فقد بدأ الرضيع في محاولة استعادة تفاعل والدته من خلال ابتسامات، وحركات يديه، وحتى بإصدار أصوات تعبر عن استيائه.
ومع استمرار عدم استجابة الأم، دخل الطفل في حالة من الإحباط الشديد، مما انعكس على سلوكياته بالتململ والانكماش في مقعده، حتى أنه بدأ في البكاء. وعندما عادت الأم للتفاعل، لم يستجب الطفل على الفور، بل أظهر توجسًا وحذرًا. هذا السلوك يعكس مدى تأثير استجابة الأم على نفسية الطفل.
أثر التجربة على فهم التطور العاطفي للأطفال
لم يقتصر تأثير هذه التجربة على العلاقة بين الأم ورضيعها فحسب، بل أكد أيضًا على أهمية الاستجابة العاطفية المنتظمة في السنوات الأولى من حياة الطفل. الأطفال الذين يتلقون اهتمامًا وتفاعلًا منتظمًا من أمهاتهم يطورون روابط آمنة تعزز من قدرتهم على بناء علاقات صحية في المستقبل. بينما أولئك الذين يواجهون استجابات غير متسقة أو غيابًا مستمرًا للانتباه يكونون أكثر عرضة لأنماط التعلق غير الآمنة، مثل التعلق القلق أو التجنبي.
ما الذي يعنيه هذا للوالدين؟
تعكس تجربة "الوجه الخشب" أهمية التفاعل العاطفي المستمر بين الأم وطفلها. إن انعدام الاستجابة لفترات طويلة قد يؤثر على قدرة الطفل على بناء الثقة في العلاقات لاحقًا. من هنا، هناك بعض النقاط التي يجب أن يأخذها الآباء بعين الاعتبار:
التفاعل المستمر أساسي للنمو العاطفي
تخصيص وقت يومي للتواصل البصري، والتحدث مع الطفل، والاستجابة لإشاراته، يعزز من شعوره بالأمان. هذه اللحظات الصغيرة هي التي تساهم في بناء الثقة وتعزيز الروابط العاطفية.
التفاوت في الاستجابة قد يكون ضارًا
عندما تتأرجح الأم بين الحضور القوي والإهمال العاطفي، يمكن أن تخلق ارتباكًا لدى الطفل حول مدى إمكانية الاعتماد عليها. هذا التفاوت في الاستجابة قد يؤدي إلى مشاعر عدم الأمان والقلق.
التقنيات التربوية تحتاج إلى مراجعة
بعض أساليب العقاب، مثل التجاهل التام أو ما يُعرف بـ"العقاب بالصمت"، قد يكون لها تأثير مشابه لتجربة "الوجه الخشب". هذه الأساليب قد تدفع الطفل إلى الانسحاب العاطفي بدلاً من التعلم من الموقف، مما يؤثر سلبًا على تطويره العاطفي.
ليلى مدبلج الحلقة 111
ما بعد الطفولة: تأثير التجربة على العلاقات المستقبلية
لا يقتصر تأثير تجربة "الوجه الخشب" على مرحلة الطفولة فقط، بل يمتد ليؤثر على كيفية بناء الأفراد لعلاقاتهم العاطفية والاجتماعية في مرحلة البلوغ. فقد أظهرت دراسات لاحقة أن الأفراد الذين نشأوا في بيئات تفتقر إلى التواصل العاطفي الفعال غالبًا ما يواجهون صعوبات في الثقة بالآخرين، ويعانون من قلق شديد في العلاقات، أو يتجنبون التعلق العاطفي تمامًا.
تُعتبر تجربة "الوجه الخشب" نقطة تحول في علم نفس الطفولة، حيث أثبتت أن استجابة الأمهات لأطفالهن ليست مجرد تفاعل سطحي، بل هي حجر الأساس في بناء الثقة والتطور العاطفي والقدرة على تكوين علاقات صحية في المستقبل. لذا، فإن تقديم الحب والاهتمام والاستجابة العاطفية المتسقة ليس شيئًا إضافيًا، بل هو جزء أساسي من رحلة الطفل نحو حياة نفسية مستقرة وسليمة.